القرطبي

252

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثالثة - قوله تعالى : ( فمن شرب منه فليس منى ) شرب قيل معناه كرع . ومعنى " فليس منى " أي ليس من أصحابي في هذه الحرب ، ولم يخرجهم بذلك عن الايمان . قال السدى : كانوا ثمانين ألفا ، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان ، وفى الحديث " من غشنا فليس منا " أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا . قال ( 1 ) : إذا حاولت في أسد فجورا * فإني لست منك ولست منى وهذا مهيع ( 2 ) في كلام العرب ، يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه : لست منى . الرابعة - قوله تعالى : ( ومن لم يطعمه فإنه منى ) يقال : طعمت الشئ أي ذقته . وأطعمته الماء أي أذقته ، ولم يقل ومن لم يشربه لان من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرروه بلفظ آخر ، ولغة القرآن أفصح اللغات ، فلا عبرة بقدح من يقول : لا يقال طعمت الماء . الخامسة - استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع ، لان أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم ، فإذا وقع النهى عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ، ولهذه المبالغة لم يأت الكلام " ومن لم يشرب منه " . السادسة - لما قال تعالى : ( ومن لم يطعمه ) دل على أن الماء طعام وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجرى فيه الربا ، قال ابن العربي : وهو الصحيح من المذهب . قال أبو عمر قال مالك : لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل ، وهو قول أبي حنيفة وأبى يوسف . وقال محمد بن الحسن : هو مما يكال ويوزن ، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل ، وذلك عنده فيه ربا ، لان علته في الربا الكيل والوزن . وقال الشافعي : لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه الاجل ، وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا .

--> ( 1 ) هو النابغة الذبياني ، يقول هذا لعيينة بن حصن الفزاري ، وكان قد دعاه وقومه إلى مقاطعة بنى أسد ونقض حلفهم فأبى عليهم وتوعده بهم ، وأراد بالفجور نقض الحلف . ( عن شرح الشواهد ) . ( 2 ) المهيع : الطريق الواضح الواسع البين .